فصل: خلافة الراضي باللّه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.خلافة القاهر باللّه:

وهو تاسع عشرهم، كان مؤنس الخادم قد أشار بإقامة ولد المقتدر، أبي العباس، فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي بأن هذا صبي، ولا يولى إلا من يدبر نفسه ويدبرنا، وكان في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتل النوبختي المذكور فيما بعد، فأحضروا القاهر بالله، وهو محمد بن المعتضد، وبايعوه لليلتين بقيتا من شوال هذه السنة، ثم أحضر القاهر أم المقتدر وسألها عن الأموال، فاعترفت بما عندها من المصاغ والثياب فقط، فضربها أشد ما يكون من الضرب، وكانت مريضة، قد بدأ بها الاستسقاء، ثم علقها برجلها، فحلفت أنها ما تملك غير ما أطلعته عليه، واستوزر القاهر أبا علي بن مقلة، وعزل وولى وقبض على جماعة من العمال.
غير ذلك:
وفي هذه السنة توفي القاضي أبو عمرو محمد بن يوسف، وكان فاضلاً. وأبو الحسين ابن صالح الفقيه الشافعي، وكان عابداً. وأبو نعيم عبد الملك الفقيه الشافعي الجرجاني المعروف بالأشتر الأستراباذي.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة:
فيها في جمادى الآخرة، ماتت شعب، والدة المقتدر، ودفنت في تربتها بالرصافة. وفي هذه السنة حصلت الوحشة بين مؤنس وبين القاهر، وكان مؤنس قد أقام بليق حاجباً، وجعل أمر دار الخلافة إليه، فضيق على القاهر، ومنع دخول امرأة إلى دار الخلافة، حتى يعرف من هي، فإن القاهر، قد استمال جماعة في الباطن، للقبض على بليق، الحاجب ومؤنس، واتفق مع القاهر على ذلك، طريف السبكري وهو من أكبر القواد.
القبض على مؤنس الخادم وبليق في هذه السنة، في أول شعبان، قبض القاهر بالله على بليق الحاجب وابنه ومؤنس، لأنهم اتفقوا على خلع القاهر، وإقامة أبي أحمد بن المكتفي، واتفق معهم الوزير ابن مقلة على ذلك، فاستمال القاهر طريف السبكري، واتفق معه ومع الساجية، على قبض ابن بليق، وأمكنهم في الدهاليز والممرات، وحضر ابن بليق بجماعة، وقصد الاجتماع بالخليفة، وأظهر أنه يريد الاجتماع به بسبب القرامطة، وكان قصده القبض على الخليفة، ولم يعلم ابن بليق بما أعد له القاهر، فلما دخل دار الخلافة، قبض عليه، وبلغ أباه بليق ذلك، وكان منقطعاً في داره بسبب مرض حصل له، فركب وحضر إلى دار الخلافة بسبب ذلك، فقبض عليه أيضاً، ثم أرسل القاهر يستدعي مؤنساً فامتنع عن الحضور، فحلف له أنه آمن، ويريد أن يعرفه ما بلغه من اتفاق بليق وابنه على خلعه، فإن كان كذباً أفرج عنهما، وما زال يحلف لمؤنس حتى حضر، فقبض عليه أيضاً، وعزل أبا علي بن مقلة، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله، ثم جد في طلب أبي أحمد ابن المكتفي، فظفر به فبنى عليه حائطاً فمات.
قتل مؤنس وبليق وابنه:
لما أمسك القاهر المذكورين، شغب الجند أصحاب مؤنس، وكانوا غالب العسكر، وثاروا بسبب حبس مؤنس، فطلبوا إطلاقه، فعمد القاهر إلى ابن بليق، وذبحه ووضع رأسه في طست، وكان قد حبسهم متفرقين، ثم أحضر الرأس في الطست إلى أبيه بليق، فأخذ أبوه يبكي ويترشف الرأس، ثم قتله القاهر، وجعل رأس بليق مع رأس ولده في الطست، وأحضرهما إلى مؤنس فلما رأى مؤنس الرأسين، تشاهد ولعن قاتلهما، فقتله أيضاً، وأطلع ثلاثة رؤوسهم، فطيف بها في بغداد، ونودي هذا جزاء من يخون الإمام، ثم نظفت وجعلت الرؤوس في خزانة الرؤوس، على جاري عادتهم، ثم عزل القاهر أبا جعفر الوزير ووالي الخصيبي الوزارة، ثم قبض على طريف السبكري، وكان من أكبر القواد، وهو الذي اتفق مع القاهر على قبض مؤنس وغيره، ولولاه لم يقدر القاهر على فعل ما فعله.
ابتداء دولة بني بويه كان بويه رجلاً متوسط الحال من الديلم، وكنيته أبو شجاع، ولما عظمت مملكة بني بويه، اشتهر نسبهم، فقالوا بويه بن فنا خسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزير الأصغر بن شيركنده بن شيرزير الأكبر بن شيران شاه بن شيرفنه بن بستان شاه بن شيرفيروز بن شيروزيك بن سبسذا بن بهرام جور الملك ابن يزد جرد الملك، وباقي النسب إلى أزدشير بن بابك، قد تقدم في أخبار ملوك الفرس الأكاسرة.
وكان لبويه المذكور ثلاثة أولاد، وهم عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد، أولاد بويه أبي شجاع المذكور، وكانوا في خدمة ماكان بن كاكي الديلمي، ولما ملك من الديلم أسفار بن شيرويه، ومرداويج على ما أشرنا إليه، ملك ماكان بن كاكي الديلمي طبرستان، وكان أولاد بويه الثلاثة المذكورون من جملة عسكره، متقدمين عنده، فلما استولى مرداويج على ماكان بيد ماكان بن كاكي من طبرستان، سار ماكان عن طبرستان، واستولى على الدامغان، ثم انهزم ما كان بن كاكي وعاد إلى نيسابور مهزوماً، وأولاد بويه المذكورون معه لا يفارقونه، فلما رأوا ضعفه وعجزه عن مقاتلة مرداويج قالوا: نحن معنا جماعة، وأنت مضيق، والأصلح أن نفارقك لنخف المؤنة عنك، فإذا صلح أمرك، عدنا إليك، فأذن لهم ففارقوه ولحقوا بمرداويج، وتبعهم في ذلك جماعة من قواد ماكان، فأحسن إليهم مرداويج، وقلد عماد الدولة علي بن بويه كرج، ولما استقر عماد الدولة في كرج، قوي وكثر جمعه، ثم أطلق مرداويج لجماعة من قواده مالاً على كرج، فلما وصلوا لقبض المال، أحسن إليهم علي بن بويه المذكور، واستمالهم فمالوا إليه، حتى أوجبوا طاعته. وبلغ ذلك مرداويج، فاستوحش من ابن بويه، ثم قصد ابن بويه المذكور أصفهان وبها ابن ياقوت، فاقتتلوا فانهزم ابن ياقوت واستولى ابن بويه على أصفهان وكان صحاب ابن بويه تسع مائة رجل، وعسكر ابن ياقوت عشرة آلاف، فلما هزم عماد الدولة بتسع مائة، عشرة آلاف، عظم في عيون الناس وقويت هيبته، وبقي مرداويج يراسل ابن بويه، ويستدعيه بالملاطفة، وابن بويه يعتذر ولا يحضر إليه، وأقام ابن بويه بأصفهان شهرين، وجبى أموالها وارتحل إلى أرجان، وكان قد هرب إليها ابن ياقوت، واسمه أبو بكر، فانهزم من بين يدي ابن بويه بغير قتال، فاستولى ابن بويه على أرجان في ذي الحجة، سنة عشرين وثلاثمائة، ثم سار ابن بويه إلى النوبندجان، واستولى عليها في ربيع الآخر من هذه السنة أعني سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ثم أرسل عماد الدولة، أخاه ركن الدولة، إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج أموالها، ثم كان منهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
غير ذلك من الحوادث:
وفي هذه السنة:
توفي أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد اللغوي، في شعبان. وولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وأخذ العلم عن أبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وغيرهما، وكان فاضلاً شاعراً، نظم قصيدته المقصورة، المعروفة بمقصورة ابن دريد، وله تصانيف كثيرة في النحو واللغة، منها كتاب الجمهرة، وله كتاب الخيل. وكان ابن دريد قد ابتلى بشرب النبيذ، ومحبة سماع العيدان، قال الأزهري: دخلت على ابن دريد فوجدتهّ سكران، فلم أعد بعدها إليه. قال ابن شاهين: كنا ندخل على ابن دريد، فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى، وكان قد جاوز التسعين. وفيها توفي أبو هاشم بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي، ومولده سنة سبع وأربعين ومائتين، أخذ العلم عن أبيه، أبي علي، واجتهد حتى صار أفضل من أبيه. قال أبو هاشم: كان أبي أكبر مني باثنتي عشرة سنة، وكان موت أبي هاشم وابن دريد في يوم واحد، فقال الناس: اليوم دفن علم الكلام وعلم اللغة، ودفنا بمقابر الخيزران ببغداد.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن مطر الفربري، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وهو الذي روى صحيح البخاري عنه، وكان قد سمعه من البخاري عشرات ألوف، وهو منسوب إلى فربر- بالفاء والراء المهملة المفتوحتين ثم باء موحدة من تحتها ساكنة وبعدها راء مهملة- وفربر المذكورة، قرية ببخارى، كذا نقله ابن الأثير في تاريخه الكامل، وقد ذكر القاضي شمس الدين بن خلكان، أن فربر المذكورة بلدة على طرف جيحون. وفيها توفي بمصر أبو جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان شافعي المذهب، وقرأ على المزني، فقال له: والله لا جاء منك شيء.
فغضب الطحاوي من ذلك، وانتقل واشتغل بمذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، وصنف كتباً مفيدة، منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء ومعاني الآثار، وله تاريخ كبير، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين:
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة:
في هذه السنة استولى عماد الدولة بن بويه على شيراز.
خلع القاهر بالله:
وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خلع القاهر، بسبب ما ظهر منه من الغدر، بطريف والسبكري وغشه في اليمين بالأمان للذين قتلهم، وكان ابن مقلة مستتراً من القاهر، والقاهر يجتمع بالقواد ويغريهم به، وكان ابن مقلة يظهر تارة بزي عجمي، وتارة بزي مكدي. وأعطى لبعض المنجمين مائة دينار، ليقول للقواد أن عليه قطعاً من القاهر، وكذلك أعطى لبعض معبري المنامات، ممن كان يعبر المنامات لسيما القائد، أنه إذا قص عليه سيما مناماً، يعبره بما يخوفه به من القاهر، ففعلوا بذلك، فاستوحش سيما مقدم الساجية، وغيره من القاهر، واتفقوا على القبض على القاهر، فاجتمعوا وحضروا إليه، وكان القاهر قد بات يشرب أكثر ليلته، وهو سكران نائم، فأحدقوا بالدار، فاستيقظ القاهر مخموراً، وأوثقت الأبواب عليه، فهرب إلى سطح حمام هناك، فتبعوه وأخذوه، وأتوا به إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري، فأخرجوا طريفاً وحبسوا القاهر موضعه، ثم سملوا عيني القاهر، وكانت خلافته سنة واحدة وستة أشهر وثمانية أيام.

.خلافة الراضي باللّه:

وهو العشرون من خلفاء بني العباس. لما قبض على القاهر، كان أبو العباس أحمد بن المقتدر ووالدته محبوسين، فأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر، وسلموا عليه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله، وبويع بالخلافة يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى. في هذه السنة، أعني سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأشار سيما القائد بوزارة ابن مقلة، فاستوزره الراضي بالله، وراودوا القاهر أن يشهد عليه بالخلع، فامتنع وهو في الحبس أعمى.
وفاة المهدي العلوي صاحب إفريقية وولاية ولده القائم:
في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي المهدي عبيد الله العلوي الفاطمي بالمهدية، وأخفى ولده القائم أبو القاسم محمد موته سنة، لتدبير ما كان له، وكان عمر المهدي ثلاثاً وستين سنة، وكانت ولايته أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، ولما أظهر ابنه القائم وفاته بايعه الناس واستقرت ولايته.
قتل ابن الشلمغاني وحكاية شيء من منصبه الخبيث:
في هذه السنة، قتل محمد بن علي الشلمغاني، وشلمغان المنسوب إليها، قرية بنواحي واسط وأحدث مذهباً مداره على حلول الإلهية، والتناسخ، والتشيع، وقيل إنه اتبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله، الذي وزر للمقتدر، واتبعه أيضاً أبو جعفر، وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وكان محمد الشلمغاني وأصحابه مستترين.
فظهر في شوال من هذه السنة، أعني سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فأمسكه ابن مقلة الوزير، فأنكر الشلمغاني مذهبه، وكان أصحابه يعتقدون فيه الإلهية، فأمسك وأحُضر إلى عند الراضي، وأمسك معه ابن أبي عون، وابن عبدوس، فأمروهما بصفع الشلمغاني فامتنعا، فلما أُكرها، مد ابن عبدوس يده وصفعه، وأما ابن أبي عون فإنه مد يده ليصفعه فارتعدت يده، فقبل لحية الشلمغاني ورأسه، وقال: إلهي وسيدي ورازقي. فقالوا للشلمغاني: أما قلت إنك لم تدع الإلهية؟ فقال: إني ما ادعيتها قط وما عليّ من قول ابن أبي عون عني مثل هذا: ثم اصرفا وأحضر الشلمغاني عدة مرات بحضور الفقهاء، وآخر الأمر إن الفقهاء أفتوا بإباحة دمه، فصلب ابن الشلمغاني وابن أبي عون، في ذي القعدة من هذه السنة، وأحرقا بالنار، فمن مذهبه، لعنه الله، أنّ الله يحل في كل شيء على قدر ما يحتمله ذلك الشيء، وأن الله خلق الضد ليدل به على المضدود، فحلّ الله في آدم، وفي إبليس أيضاً، وكلاهما ضد لصاحبه، ومن مذهبه: أنّ الدليل على الحق، أفضل من الحق، وأن الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله إذا حلّ في جسد ناسوتي، أظهر فيه من القدرة ولمعجزة ما يدل على أنه هو، وأنّ الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، ثم افترقت بعده، ثم اجتمعت في صالح وإبليسه، عاقر الناقة، ثم افترقت بعده، ثم اجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، ثم افترقت بعدهما، وكذلك القول في هارون وفرعون، ثم في سليمان وإبليسه، ثم في عيسى وإبليسه، ثم افترقت في الحواريين، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه. ومن مذهبه: أنه من احتاج الناس إليه، فهو إله، ومن مذهبه ومذهب أصحابه: أنهم يسمون موسى ومحمداً صلوات الله عليهما وسلامه، الخائنين، لأن هارون وعلياً، أرسلا موسى ومحمداً فخاناهما، وأن علياً أمهل محمداً صلى الله عليه وسلم عدة سني أصحاب الكهف، وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، فإذا انقضت، انتقلت الشريعة. ومن مذهبه ترك الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات، ويبيحون الفروج، وأن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وأنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول، ليولج النور فيه، وأنه من امتنع من ذلك، قلب في الدور الثاني امرأة، إذ كان مذهبهم التناسخ، ولعل هذه المقالة هي المقالة النصرية.
غير ذلك من الحوادث:
وفي هذه السنة قتل إسحاق بن إسماعيل النوبختي، قتله القاهر قبل أن يخلع، وكان النوبختي المذكور، هو الذي أشار باستخلافه وفي هذه السنة سار الدمستق إلى بلاد الإسلام، ففتح ملطية بالأمان، بعد حصار طويل، وأخرج هلها، وأوصلهم إلى مأمنهم، وذلك في مستهل جمادى الآخرة، وفعل الروم الأفعال القبيحة بالمسلمين، وصارت أكثر البلاد في أيديهم. وفي هذه السنة توفي أبو نعيم الفقيه الجرجاني الأستراباذي، وأبو علي محمد الروزباري الصوفي. وفيها توفي حسين ابن عبد الله النساج الصوفي، من أهل سامراء، وكان من الأبدال، ومحمد بن علي بن جعفر الكتاني الصوفي المشهور، وهو من أصحاب الجنيد.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة:
قتل مرداويج بن زيار:
في هذه السنة قتل مرداويج الديلمي، صاحب بلاد الجبل وغيرها وسبب ذلك: أنه لما كان ليلة الميلاد، من هذه السنة، أمر بأن تجمع الأحطاب وتلبس الجبال والتلال، وخرج إلى ظاهر أصفهان لذلك، وجمع ما يزيد عن ألفي طائر من الغربان، ليعمل في أرجلها النفط، ليشعل ذلك كله ليلة الميلاد، وأمر بعمل سماط عظيم، فيه ألف فرس، وألفا رأس بقر، ومن الغنم والحلوى شيء كثير، فلما استوى ذلك ورآه، استحقره وغضب على أهل دولته، وكان كثير الإساءة إلى الأتراك الذين في خدمته، فلما انقضى السماط، وإيقاد النيران، وأصبح ليدخل إلى أصفهان، اجتمعت الجند المخدمة، وكثرت الخيل حول خيمته، فصار للخيل صهيل وغلبة حتى سمعها فاغتاظ، وقال: لمن هذه الخيل القريبة؟ فقالوا للأتراك. فأمر أن توضع سروجها على ظهور الأتراك، وأن يدخلوا البلد. كذلك، ففعل بهم ذلك فكان له منظر قبيح استقبحه الديلم والترك، فازداد حنق الأتراك عليه، ورحل مرداويج إلى أصفهان وهو غضبان، فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه في ذلك اليوم، ولم يأمر أحداً غيره ليجمع الحرس، ودخل الحمام، فانتهزت الأتراك الفرصة، وقتلوه في الحمام، وكان مرداويج قد تجبر وعتا، وعمل لأصحابه كراسي فضة يجلسون عليها، وعمل لنفسه تاجاً مرصعاً على صفه تاج كسرى، ولما قُتل قام بالأمر بعده أخوه وشمكير بن زيار.
فتنة الحنابلة ببغداد وفيها عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة فإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، وفي مشي الرجال مع الصبيان، ونحو ذلك، فنهاهم صاحب الشرطة عن ذلك، وأمر أن لا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم فلم يفد فيهم، فكتب الراضي توقيعاً ينهاهم فيه، ويوبخهم باعتقاد التشبيه، فمنه: إنكم تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم على هيئته، وتذكرون له الشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، وعدد فيه قبائح مذهبهم، وفي آخره أن أمير المؤمنين يقسم قسماً عظيماً، لئن لم تنتهوا، ليستعملن السيوف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم.
ولاية الأخشيدية مصر:
وفي هذه السنة، تولى الأخشيدية وهو محمد بن طفج بن جف، مصر، من جهة الراضي. وكان الأخشيد المذكور قبل ذلك، قد تولى مدينة الرملة سنة ست عشرة وثلاثمائة من جهة المقتدر، وأقام بها إلى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة فوردت إليه كتب المقتدر بولايته دمشق، فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ، فما تولى الراضي، عزل أحمد بن كيغلغ، وولى الأخشيد المذكور مصر، وضم إليها البلاد الشامية، فسار الأخشيد من الشام إلى مصر، واستقر بها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة:
قتل أبي العلاء بن حمدان:
كان ناصر الحسن بن عبد الله بن حمدان، هو أمير الموصل وديار ربيعة، وكان أول من تولى الموصل منهم، أبو ناصر الدولة المذكور، وهو عبد الله، وكنيته أبو الهيجاء، ولاه عليها المكتفي، وقيل أبو الهيجاء المذكور ببغداد، في المدافعة عن القاهر، لما قبض عليه، وكان ابنه ناصر الدولة المذكور نائباً عنه بالموصل، واستمر بها إلى هذه السنة، فضمن عمه أبو العلاء بن حمدان مابيد ابن أخيه، من ديوان الخليفة، بمال يحمله، وسار أبو العلاء إلى الموصل، فقتله ابن أخيه ناصر الدولة، فلما بلغ الخليفة ذلك، أرسل عسكراً إلى ناصر الدولة مع ابن مقلة الوزير، فلما وصل إلى الموصل، هرب ناصر الدولة، ولم يدركه، فأقام ابن مقلة بالموصل مدة، ثم عاد إلى بغداد، فعاد ناصر الدولة إلى الموصل، وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح، وضمن الموصل بمال يحمله، فأجيب إلى ذلك.
فتح جنوة وغيرها:
وفي هذه السنة سير القائم العلوي صاحب المغرب جيشاً من إفريقية في البحر، ففتحوا مدينة جنوة، وأوقعوا بأهل سردانية، وعادوا سالمين.
غير ذلك من الحوادث:
فيها استولى عماد الدولة بن بويه على أصفهان، وبقي هو وشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي أصفهان، وهمذان، وقم، وقاشان، وكرج، والري، وكنكور، وقزوين وغيرها. وفي هذه السنة في جمادى، شغب الجند ببغداد، ونقبوا دار الوزير، وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربي، ثم راضوهم فسكنوا. وفيها توفي إبراهيم ابن محمد بن عرفة، المعروف بنفطويه النحوي الواسطي، وله مصنفات، وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيه يقول الشيخ محمد بن زيد بن علي المتكلم:
من سره أن لا يرى فاسقاً ** فليجتهد أن لا يرى نفطويه

أحرقه الله بنصف اسمه ** وصير الباقي صراخاً عليه

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة:
في هذه السنة، قبض الحجرية والمظفر بن ياقوت على الوزير ابن مقلة، لما حضر إلى دار الخلافة على العادة، وأرسلوا أعلموا الخليفة، فاستحسن ذلك، ثم اتفقوا على وزارة علي بن عيسى، فامتنع، فولوا الوزارة أخاه عبد الرحمن بن عيسى، ثم قبض عليه، وولوا الوزارة أبا جعفر محمد بن قاسم الكرخي. وفي هذه السنة قطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البديدي حمل الأهواز وأعمالها، فضاقت أموال بغداد، وعجز أبو جعفر الوزير فعزلوه، وكانت ولايته ثلاثة أشهر ونصف، واستوزر سليمان بن الحسن، ودام الحال على توقفه، فراسل الخليفة محمد بن رائق وهو بواسط يستقدمه ليقوم بالأمور وقلده إمارة الجيش، وأمر أن يخطب له على المنابر، وقدم ابن رائق بغداد في أواخر ذي الحجة من هذه السنة، وكان ابن رائق قد أمسك ساجية قبل دخوله إلى بغداد، فاستوحشت الحجرية منه، ومن حين دخل ابن رائق بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق هو الناظر في الأمور جميعها، وتغلب عمال الأطراف عليها، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق، وليس للخليفة فيها حكم، وأما باقي الأطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق المذكور.
وخورستان في يد البريدي. وفارس في يد عماد الدولة ابن بويه. وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس. والري وأصفهان والجبل في يد ركن الدولة ابن بويه ويد وشمكير ابن زيار أخي مرداويج، يتنازعان عليها. والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان. ومصر والشام في يد الأخشيد محمد بن طغج والمغرب وإفريقية في يد القائم العلوي ابن المهدي. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الأموي الملقب بالناصر. وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد بن سامان الساماني. وطبرستان وجرجان في يد الديلم. والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي.
غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة، استقدم محمد بن رائق الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان على خراج مصر والشام، فقدم بغداد وتولى الوزارة لابن رائق والخليفة. وفي هذه السنة قلد الخليفة محمد بن طغج مصر وأعمالها، مضافاً إلى ما بيده من الشام بعد عزل أحمد بن كيغلغ عن مصر. وفي هذه السنة ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة الحسن بن بويه بأصفهان. وفيها توفي جحظة البرمكي من ولد يحيى بن خالد بن برمك، وكان عارفاً بفنون شتى من العلوم. وفيها توفي عبد الله ابن أحمد بن محمد بن المفلس الفقيه الظاهري، صاحب التصانيف المشهورة، وعبد الله بن محمد الفقيه الشافعي النيسابوري، ومولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان قد جالس الربيع والمزني ويونس، أصحاب الشافعي، وكان إماماً.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة:
في هذه السنة، أشار محمد بن رائق على الراضي بالمسير معه إلى واسط، لحرب ابن البريدي، فأجابه، وسار الراضي إلى واسط، وأمسك ابن رائق بعض الأجناد الحجرية، وأجاب ابن البريدي إلى ما طلب منه، ثم عاد الراضي وابن رائق إلى بغداد، ثم نكث أبو عبد الله بن البريدي عما أجاب إليه، فأرسل ابن رائق عسكراً مع بجكم، واقتتل مع أبي عبد الله بن اليريدي، فانهزم ابن البريدي إلى عماد الدولة بن بويه، وطمّعه في العراق وهون عليه أمر الخليفة.
غير ذلك من الحوادث:
وفي هذه السنة، أساء عامل صقلية السيرة، وظلم، وكان عاملاً للقائمَ العلوي، واسمه سالم بن راشد فعصت عليه جرجنت، من صقلية، وكتب إلى القائم بذلك، فجهز إليه عسكراً وحاصروا جرجنت، فاستنجد أهل جرجنت بملك قسطنطينية فأنجدهم، ودام الحصار إلى سنة تسع وعشرين، فسار بعض أهلها، ونزل الباقون بالأمان، فأخذوا كبارهم وجعلوهم في مركب، ليقدموا على القائم بإفريقية، فلما توسطوا اللجة، أمر مقدم جيش القائم فنقب مركبهم، وغرقوا عن آخرهم. وفيها توفي عبد الله بن محمد الخزاز النحوي، وله تصانيف في علوم القرآن.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة:
في هذه السنة سار معز الدولة بأمر أخيه عماد الدولة ابن بويه إلى الأهواز، وتلك البلاد، فاستولى عليها، وكان سبب ذلك مسير ابن البريدي إلى عماد الدولة كما أشرنا إليه.
قطع يد أبي علي ابن مقلة وكان سببه: أنه سعى في القبض على ابن رائق، وإقامة بجكم موضعه وعلم ابن رائق بذلك، فحبسه الراضي لأجل ابن رائق وترددت الرسل بين الراضي وبين ابن رائق في معنى ابن مقلة مرات عدة، وآخرها أنهم أخرجوا ابن مقلة فقطعوا يده في منتصف شوال، وعولج فبرأ، وعاد يسعى في الوزارة، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب، ثم بلغ ابن رائق سعيه، وأنه يدعو عليه وعلى الراضي، فأمر بقطع لسانه، فقطع، وضيق عليه في الحبس، ثم لحق ابن مقلة مع ما هو فيه الذرب، ولم يكن عنده في الحبس من يخدمه، فقاسى شدة إلى أن مات في الحبس، في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه فنبش وسلم إليهم، فدفنوه في داره، ثم نبش ونقل إلى دار أخرى، ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي. وسافر ثلاث سفرات، اثنتين إلى شيراز، وواحدة في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات.
استيلاء بجكم على بغداد:
وفي هذه السنة، سار بجكم من واسط إلى بغداد، غرة ذي القعدة، وجهز ابن رائق إليه عسكراً، فهزمهم بجكم، ولما قرب من بغداد هرب ابن رائق إلى عكبراَ، واستتر، ودخل بجكم بغداد ثالث عشر ذي القعدة، فخلع عليه الراضي وجعله أمير الأمراء، وكانت مدة إمارة ابن رائق سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، وهذا بجكم كان مملوكاً لوزير ماكان بن كاكي الديلمي. ثم أخذه ما كان منه، ثم إنه فارق ماكان مع من فارقه، ولحق بمرداويج، ثم كان في جملة من قتل مرداويج، ثم سار إلى العراق واتصل بخدمة ابن رائق، وانتسب إليه حتى كتب على رايته الرائقي وسيره ابن رائق إلى الأهواز فاستولى عليها، وطرد ابن البريدي، ثم لما استولى ابن بويه على الأهواز، سار بجكم إلى واسط. ثم سار إلى بغداد، فطرد ابن رائق واستولى على بغداد وعلى حضرة الخليفة.
غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة فسد حال القرامطة، ووقع بينهم الفتن والقتل، فاستقروا في هجر.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة:
فيها سار بجكم والراضي إلى الموصل، فهرب ناصر الدولة بن حمدان عنها، ثم حمل مالاً واستقر الصلح معه، ثم عاد الخليفة وبجكم إلى بغداد، وظهر ابن رائق مع جماعة انضموا إليه ببغداد، قبل وصول الخليفة إليها، فخافه الخليفة وبجكم، ثم استقر الحال على أن يولي على حرّان والرها وقنسرين والعواصم، فسار ابن رائق واستولى عليها.
غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة، عصى أمية بن إسحاق على عبد الرحمن الأموي بشنترين واستنجد بالجلالقة، فأنجدوه وهزموا المسلمين، ثم التقوا مرة ثانية، فانهزمت الجلالقة وكثر القتل فيهم، وطلب أمية المذكور الأمان من عبد الرحمن الأموي، فأمنه. وفيها مات عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، صاحب الجرح والتعديل، وعثمان بن خطاب أبو الدنيا، المعروف بالأشج، الذي يقال إنه لقي علي بن أبي طالب، وله صحيفة تروى عنه ولا تصح، وقد رواها كثير من المحدثين على علم منهم بضعفها. وفيها توفي محمد بن جعفر بمدينة يافا، صاحب التصانيف المشهورة كاعتلال القلوب وغيره. وفيها توفي الكعبي المعتزلي، واسمه عبد الله ابن أحمد بن محمود، وكنيته أبو القاسم وهو صاحب مقالة.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة:
استيلاء ابن رائق على الشام:
وفي هذه السنة، استولى ابن رائق على الشام، فاستولى على دمشق وحمص، وطرد بدراً نائب الأخشيد، وسار حتى بلغ العريش يريد الديار المصرية، فخرج إليه الأخشيد وجري بينهم قتال شديد، آخره أن ابن رائق انهزم إلى دمشق ثم جهز الأخشيد إليه جيشاً مع أخيه، واقتتلوا، فانهزم عسكر الأخشيد، وقتل أخوه فأرسل ابن رائق يعزي الأخشيد في أخيه ويقول له: إنه لم يقتل بأمري. وأرسل ولده مزاحم وقال: إن أحببت فاقتل ولدي به، فخلع الأخشيد على مزاحم وأعاده إلى أبيه، واستقرت مصر للأخشيد، والشام لمحمد بن رائق.
غير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة قتل طريف السبكري بالثغر، وفيها توفي محمد الكسليني- بالنون- وهو من أئمة الإمامية، ومحمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ المقري، وأبو محمد المرتعش، وهو من مشايخ الصوفية، وفيها توفي أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري، وهو مصنف كتاب الوقف والإبتداء الإمام المشهور في النحو والأدب، وكان ثقة وولد سنة إحدى وسبعين ومائتين وفيها توفي أبو عمر أحمد بن عبد ربه بن حبيب القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، الأموي، وكان من العلماء المكثرين من المحفوظات وصنف كتابه العقد، وهو من الكتب النفيسة، ومولده في سنة ست وأربعين ومائتين.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة:
موت الراضي بالله:
وفي هذه السنة، في منتصف ربيع الأول مات الراضي بالله، أبو العباس أحمد ابن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق طلحة. وكانت خلافته ست سنين وعشرة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وكان مرضه علة الاستسقاء وكان أديباً شاعراً فمن شعره:
يصفر وجهي إذا تأمله ** طرفي فيحمر وجهه خجلاً

حتى كأن الذي بوجنته ** من دم وجهي إليه قد نقلا

ومن شعره أيضاً من أبيات:
كل صفو إلى كدر ** كل أمن إلى حذرْ

أيها الآمن الذي ** تاه في لجة الغرر

أينَ مَنْ كان قبلنا ** درسَ العينُ والأثرْ

درً در ُالمشيب من ** واعظٍ يُنذر البشرْ

وكان الراضي سخياً، يحب الأدباء والفضلاء وكان سنان بن ثابت الصابي الطبيب من جملة ندماء الراضي وجلسائه، وكان الراضي أسمر خفيف العارضين، وأمه أم ولد، اسمها ظلوم، وهو آخر خليفة له شعْر يدون، وآخر خليفة خطب كثيراً على منبر، وإن كان غيره قد خطب، فإنه كان ناَدراً، لا اعتبار به، وكان آخر خليفة جالس الجلساء، وآخر خليفة كانت نفقته، وجراياته وخزانته، ومطابخه، وأموره، على ترتيب الخلفاء المتقدمين.